ثقافتنا والدور المغيّب الغائب
كتبهامحمود شقير ، في 2 كانون الثاني 2007 الساعة: 09:22 ص
إزاء ما تطرحه علينا ظروفنا الراهنة من مشكلات مزمنة، رُحلّت إلينا من العام الماضي لتستمر في عامنا الحالي الجديد وفي أعوام أخرى قادمة، تتأكد حاجتنا إلى الثقافة الوطنية الديموقراطية التي من شأنها، إذا ما انتشرت في أوساط الأجيال الجديدة الشابة، أن تسهم في التصدي لليأس ولمختلف مشاعر الإحباط الناتجة عن تراكم الهزائم والانكسارات، التي لم تترك حيّزاً كافياً للأمل وللنظر بثقة إلى المستقبل القريب أو البعيد.
إن نظرة سريعة على حال الثقافة العربية المعاصرة، تشير بوضوح إلى أهمية ما ينجزه بشكل فردي، صحافيون وأدباء ومثقفون وفنانون وأكاديميون ومفكرون عرب كثيرون، من نتاجات إعلامية وأدبية وفنية وثقافية وفكرية متنوعة ذات توجهات عصرية تقدمية، قادرة في حالة الانتباه إليها وتمثل مضامينها الإنسانية العميقة، على إحداث تغيير نوعي في مستوى العرب الثقافي والحضاري، بحيث لا يظلون في أدنى قائمة شعوب العالم المعاصر من حيث المستوى المعرفي والحضاري.
وفي ظني، أن من شأن هذه الثقافة الوطنية الديموقراطية في حالة الانتباه إليها وتمثلها، بدل الانصراف شبه الكلي عنها كما هو حالنا اليوم، أن تسهم في خلق حالة من التماسك الداخلي، الآخذ في التفكك في غير قطر عربي وفي فلسطين بالذات، في وجه ما يجري تخطيطه على النطاق الأشمل من سياسات، تندرج تحت مظلة ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير الذي تسعى إليه الإدارة الأمريكية، ما يعني في حالة تحققه، مزيداً من التطاول على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ومن التفتت والشرذمة في الوضع العربي، وتبدلاً في القيم والمعايير، وفي السياسة والاقتصاد، وفي الثقافة والأخلاق، لجهة تسويق إسرائيل في المنطقة، ليس بصفة كونها مجرد دولة من دولها، وإنما باعتبارها قوة لها هيمنة اقتصادية ونفوذ سياسي، وتفوق تكنولوجي، مستغلة ذلك كله للترويج لنمط من الرؤية الإسرائيلية للعلاقات في منطقتنا، تتناقض كلياً مع السلام الحقيقي، وما يعنيه بالضرورة من احترام لكرامة الشعوب العربية وثقافتها الوطنية وتراثها العريق، ومن اعتراف صريح بالحقوق الوطنية المشروعة للعرب والفلسطينيين.
وفي حال رفض هذه الرؤية الإسرائيلية التي يصعب تسويقها إلا على نفر محدود من المنتفعين ومن ذوي المصالح الضيقة، فإن البديل جاهز، وهو متمثل في ثقافة الاستهلاك التي تبثها الترسانات الإعلامية التي تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية، وتقوم بالترويج لها في العالم كله، وفي العالم الثالث بالذات، ومن ضمنه عالمنا العربي، عبر أجهزتها الإعلامية وأجهزة إعلامية أخرى من بينها عدد غير قليل من الفضائيات العربية، التي يزيد عددها عن مائة وخمسين فضائية حتى الآن.
ثقافة استهلاكية مكرسة للإعلاء من شأن الغرائز ونزعات البيولوجيا المعادية للعقل والمنطق، وذلك لإغراق الأجيال الجديدة من الشباب في حمى تلك الغرائز وهذه النزعات، ولصرفهم عن الاهتمام بقضاياهم الشخصية الحقيقية ذات الطابع الإنساني المشروع، وبقضايا شعوبهم الوطنية والاجتماعية التي لا تستقيم الحياة الكريمة من دونها، وهي مكرسة كذلك لتحويل أنظار الشباب، عبر تزييف وعيهم، في اتجاه قضايا مفتعلة نابعة من تشجيع نزعات القتل والعدوان، وإذكاء النعرات الإقليمية والطائفية، وكل ما له علاقة بالمشاعر الأنانية الفردية الزائدة عن حدها الإنساني المعقول، المتناقضة في الوقت نفسه مع الحس الإنساني السليم، ومع مشاعر الإيثار وخدمة الوطن والمصالح العامة للمواطنين. تضاف إلى ذلك، محاولات إلهاء الناس عبر الإكثار من بث برامج سطحية، توقع هؤلاء الناس في حبائلها، لتوهمهم بأنهم على قدر من المعرفة والثقافة، في حالة تعاطيهم مع الأسئلة السخيفة التي تطرحها عليهم مذيعات متأنقات لهن حضورهن المقصود على شاشات التلفاز.
لو كانت بلداننا العربية، ومن ضمنها فلسطين، معنية بإيلاء الثقافة الوطنية الديموقراطية العناية اللائقة بها، ولو كانت مهتمة بوضع الخطط المدروسة التي تستهدف إنقاذ الأجيال الجديدة من السطحية والابتذال والاغتراب والضياع، لأقدمت على استثمار الطفرة الكبرى في وسائل الإعلام المعاصرة، في اتجاه إيجابي خلاق، للترويج للثقافة الوطنية الديموقراطية ولمنجزاتها الموجودة أصلاً بين ظهرانينا، ولإنتاج برامج أخرى ثقافية وإعلامية جادة قادرة على التأثير الإيجابي في نفوس الشباب، على النحو الذي ينقذهم من حالات التخبط والضياع.
وفي اعتقادي أن مثل هذا الأمر لن يتم إلا بعمل مثابر تضطلع به هيئات رسمية وشعبية لها علاقة بالموضوع، لوضع خطط وطنية شاملة للتربية والتعليم والتثقيف، بما يتلاءم وروح العصر ومتطلبات النهوض الحضاري، ولتشجيع الأجيال الجديدة من الشباب على التعاطي المثمر مع الثقافة الوطنية الديموقراطية في مختلف تجلياتها، بدءاً من الصحيفة والمجلة والكتاب، مروراً بالمسرحية والفيلم السينمائي والمسلسل التلفزيوني، وانتهاء بالمقطوعة الموسيقية والأغنية واللوحة الفنية وسواها من منجزات الفن والفكر والثقافة والإبداع.
إن حالة التردي التي يجتازها الوطن العربي على غير صعيد لن تتوقف إلا بإعادة نظر جذرية في موقفنا من الثقافة الجادة، لأن عزوف الأجيال الجديدة عن هذه الثقافة، وتعريضها المستمر لنفوذ الثقافة الاستهلاكية، من شأنه أن يعطل القدرات الخلاقة لهذه الأجيال، وفي ذلك ضرر بالغ يلحق بهذه الأجيال نفسها، وبالوطن نفسه بكل ما يعنيه من بشر وأرض وبيئة وموارد ومكانة وإمكانات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالة | السمات:مقالة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 7th, 2007 at 7 يناير 2007 7:37 ص
دعوة لجميع المدونين من أجل دعم موقع اتحاد المدونين العرب
الإخوة والأخوات أعضاء اتحاد المدونين العرب.
الإخوة والأخوات المدونين من كل بقاع العالم.
السادة أصحاب المواقع.
ندعوكم لدعم موقع اتحاد المدونين العرب.
ساهموا في تعريف الاتحاد وموقعه عند أكبر عدد من المدونين والقراء.
ضعوا شعار الاتحاد على صفحات مدوناتكم ومواقعكم.
أو رابطا نصيا لموقع الاتحاد دون صورة.
دعمكم لاتحاد المدونين العرب هو دعم لكم أيضا.
رابط مدونة الاتحاد:-
http://arabictadwin.maktoobblog.com/
مايو 12th, 2007 at 12 مايو 2007 3:14 م
كلام جميل …ولكن هل انت محمود شقير ذاته صاحب كتاب تاريخ الفكر الاقتصادي
مايو 12th, 2007 at 12 مايو 2007 9:31 م
إلى مجهول
تحياتي وكل الشكر لك/ هذا الكتاب الذي ذكرته لست أنا صاحبه/ يمكنك الدخول إلى موقعي الشخصي على الشبكة للتعرف إلى بعض كتبي:
http://www.mahmoudshukair.com
مع التقدير.