مقالة: تداعيات حول الجدار
كتبهامحمود شقير ، في 15 كانون الثاني 2007 الساعة: 02:33 ص
أكتب هذه التداعيات حول الجدار، وأنا موقن بأنه منذور لإطالة أمد الصراع لا لتقريب فرص السلام، مع أنه جدار مسخ جدير بالسخرية، لا شأن ولا قيمة له، إذا ما قورن بجدران أخرى أو أسوار لها شأنها في التاريخ، مثل سور الصين العظيم مثلاً، الذي لم يبنه الصينيون على أرض الآخرين كما هو الحال مع هذا الجدار. ثم إن سور الصين أصبح اليوم أثراً سياحياً يدلل على عظمة الجهد الإنساني الطموح، فهل يطمح أولمرت أو غيره من حكام إسرائيل إلى أن يصبح جدار الفصل المقيت، أثراً يدلل على أية عظمة من أي نوع كان! لو كان أولمرت مستعداً لسماع صوت العقل، لما سمح لهذا الجدار بأن يستمر لحظة واحدة. وأولمرت لن يصغي لمثل هذا الكلام، لأن القوة المعربدة التي تحرس الإيديولوجيا القادمة من رحم الأساطير، تجعل الاستجابة لصوت العقل أمراً غير وارد بأي حال.
ولربما كان هذا الجدار والحالة هذه، جديراً بمزيد من السخرية، للتأليب عليه وللتناغم مع قرار محكمة لاهاي ضده على سبيل المثال. ولقد جرت من قبل محاولة من هذا القبيل، إذ سخر عزام أبو السعود منه، حينما قدم في مسرحيته الهزلية "طار الحمام" وقائع مضحكة مبكية عن أسرة مقدسية كبيرة العدد، اضطرها الجدار إلى أن تعود إلى البلدة القديمة لتعاني من ضيق المكان ومن كثرة الأنفار. المسرحية أخرجها مكرم خوري وشارك فيها نخبة من الممثلين والممثلات، وتم عرضها على خشبة المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، وغيره من مسارح البلاد. ومن قبل أيضاً، سخرت منه إحدى دور الأزياء الإسرائيلية، حينما قامت فتيات إسرائيليات بعرض فساتين وردية على مقربة من الجدار. الفتيات وقفن بفساتينهن الزاهية وقفة فيها تأنق ودلال، والجدار ظل جاثماً خلفهن بوجهه القبيح. والمتفرجون كان عليهم آنذاك، أن يحكموا من النظرة الأولى على الفرق الشاسع بين القبح والجمال.
وأحسب أن لحزب الخضر الفلسطيني دوراً مهماً في هذا المجال. فقد راقت لي سخرية الحزب من مداهمة قوات الاحتلال لساحة في وسط مدينة نابلس، وإطلاق النار على ساعة في الساحة وتعطيلها. وزع الحزب بطاقة كتب فيها تعليقاً ظريفاً مفاده أن سلطات الاحتلال اطلقت النار على ساعة إرهابية هناك! الآن جاء دور الحزب للسخرية وربما أيضاً لتوجيه الدعوة لأحزاب الخضر ولأنصار البيئة في العالم، لكي يأتوا إلى بلادنا وليشاهدوا كيف يخرب حكام إسرائيل جمال الطبيعة في فلسطين بهذا الجدار وغيره! وكيف يحاصرون القدس ويعزلونها عن محيطها الطبيعي! ويقسمون القرية الواحدة إلى نصفين منفصلين! ويمزقون الشارع والسهل والجبل! ويقتلعون الشجر! ويحشرون ألوفاً من الفلسطينيين بعيداً من حقولهم وبساتينهم! ولا يسمحون لهم بالتوجه إليها إلا عبر بوابات، يفتحها الجنود في ساعات معينة من النهار! وقد يفتحونها لبرهة قصيرة ثم يغلقونها ويغيبون، تاركين الناس الذاهبين إلى حقولهم أو العائدين منها تحت رحمة المصادفات! ولا يكتفون بذلك، بل إنهم يعيقون حركة أعداد كبيرة من التلاميذ، بحيث لا يمكنهم التوجه إلى مدارسهم إلا عبر بوابات الجدار! كما أنهم يمنعون الشمس والهواء من الوصول إلى البيوت المجاورة للجدار! لأنه جدار يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار، ولا يشتمل على ميزة واحدة، فهو مثلاً لا يصلح للتمشي فوقه كما هو الحال مع سور الصين العظيم. ثم إنه جدار قاتم مثل جدران السجون! فهل يضع حزب الخضر هذا الجدار على أجندته اليومية، (لا أعتقد أن هذا الأمر غائب عن بال الحزب، ومن ثم تصبح دعوتي هذه مجرد تأكيد على أمر لا يقبل التأجيل) فيضيف جديداً إلى النضال الذي تضطلع به اللجنة الشعبية المناهضة للجدار، انطلاقاً من قرية بلعين وما جاورها من قرى، حيث يلتئم هناك شمل المناضلين الشجعان ضد الاحتلال، من فلسطينيين وإسرائيليين وأوربيين، ممن تحركهم الرغبة في السلام، ويحدوهم التصميم الأكيد على وضع حد لهذا الجدار الذي يلتهم مساحات واسعة من أرض الفلسطينيين!
ومع ذلك، فثمة المزيد مما يمكن أن يقدمه الناس من احتجاج شعبي مثابر لاقتلاع الجدار، ومما يمكن أن يقدمه الفنانون والمثقفون والكتاب الفلسطينيون، من أدب ومسرح وفن تشكيلي وغناء يتخذ من السخرية وسيلة ملائمة للتعبير عن بؤس هذا الجدار، الذي يشكل نقطة ضعف بارزة في ممارسات الاحتلال، ما يجعله مرشحاً للتداعي والزوال، على الرغم من كل التعقيدات التي تحيط بقضيتنا الوطنية، إنما بشرط واحد هو: أن نحسن إدارة المعركة ضد الجدار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالة | السمات:مقالة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 16th, 2007 at 16 يناير 2007 10:04 م
لايوحي الجدار لحظة يتكلم بمعاني الصلابة والأمان والثبات فحسب،ولكنه يتكلم عنا أحيانا أكثر مما يتحدث عن ذاته.
أرغمه الشعراء والسلسة على أن يكون مثالا لكل ما يحول دون الإنسان وطموحه وأحيانا جعلوه صورة للمقاومة، مقاومة الآخر المزعج، بل أبدع شارون في أن يجعله عقابا جماعيا من جهة وأمنا وأمانا من جهة أخرى ( ظهر الحيط ماشي بحال كرشو، كرشو فيها لعجينة، عفوا فيها إسرائيل).
أراق الناس حبرا كثيرا في محاورة سيدنا الجدار، وأبدا لم يكن الجدار حاضرا في قاعة محاكمته ولاحتى أوكل محاميا للدفاع عنه. انتبهوا إلى أن الجدران شاهدة علينا في الداخل والخارج (بظهرها وكرشها) في الشارع والبيت، إنها تحفظ صعلكتنا في الشارع ومخبوءاتنا في البيت، مادا لو تكلمت الجدران التي تطل على ساحة الإعتصامات اليومية؟ وما عساها تقول جدران المعتقلات السرية؟ ( الظهر عارف والكرش عارفة غير الله يستر بشي حيط أوخلاص).
أبدعت عزيزي
دام توهجك
أدعوك لإدراج جمهورية مدونستان على مدونتي الملعونة
يناير 17th, 2007 at 17 يناير 2007 8:42 ص
الأخ العزيز مولاي عمر/ تحياتي/ كل الجدران ولا هذا الجدار الذي ابتلي به الفلسطينيون، لكنه جدار منذور للسقوط، إنما المسألة تحتاج إلى وقت ونضال/ مع تقديري لك/ محمود شقير