مقالة: حالة الوطن العربي العام 2012

كتبهامحمود شقير ، في 13 نيسان 2007 الساعة: 20:59 م

        سألني أحد الزملاء: كيف تتوقع الحالة التي سوف يكون عليها الوطن العربي بعد خمس سنوات؟ فأجبته قائلاً: 

         ليس من السهل التنبؤ بما سيكون عليه الوطن العربي بعد خمس سنوات، بالنظر إلى المفاجآت غير المحسوبة التي يمكن أن تقع هنا وهناك، وبالنظر إلى التبدلات المفاجئة التي قد تفرض نفسها على هذا القطر العربي أو ذاك، أو على مجموعة أقطار بعينها، بسبب تطورات محلية أو بسبب تغيرات في السياسة العالمية التي يتأثر بها العالم العربي.     غير أن رصد بعض اتجاهات السياسة في العالم وفي الوطن العربي راهناً، يمكنها أن تشكل إرهاصاً لما سيحدث لاحقاً. وهذا يتطلب معاينة كل من السياسة الأمريكية والإسرائيلية بالذات، لما لهما من تأثير على مصائر الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ومن ثم رصد ما يعتمل في قلب بعض الأقطار العربية من تطورات محتملة يجري الإعداد لها منذ الآن.         

      فالسياسة الأمريكية الهوجاء التي ضربت وما زالت تضرب المنطقة العربية، تحت مسميات الحروب الاستباقية ومقاومة الإرهاب، والفوضى الخلاقة والتحيز السافر لإسرائيل، ومحاصرة إيران بسبب مشروعها النووي واحتمالات الصدام العسكري معها، والتهيئة لذلك بحملة تأليب دولية وبمحاولة خلق محور معتدلين في مقابل محور راديكاليين في منطقة  الشرق الأوسط، مرشحة للاستمرار خلال الفترة المتبقية من حكم الرئيس بوش، وقد تستمر بأشكال ومسميات مختلفة، ولكنها قريبة من حيث الجوهر من هذه السياسة، مع تعديلات تقتضيها ضرورات المصالح الأمريكية، في حالة مجيء الديموقراطيين إلى الحكم بعد الانتخابات الرئاسية القادمة، وذلك لأن هذه السياسة هي  في الأساس تعبير عن مصالح قوى طبقية واجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية، يتبناها الحزبان الكبيران هناك، مع بعض اختلافات في الوسائل وأشكال تنفيذ السياسات، التي تضع في اعتبارها باستمرار: الهيمنة على نفط العرب، والحفاظ على إسرائيل باعتبارها قوة عسكرية متفوقة في منطقة الشرق الأوسط.          كما أن السياسة الإسرائيلية التي تهدف إلى الانتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة في وطنه، وإلى التهرب من الدخول في تسوية تاريخية مع  الفلسطينيين والعرب، على أساس من العدل والأمن المتكافئ والسلام الحقيقي الدائم، مرشحة للاستمرار كذلك. وقد نشهد بروز معسكر اعتدال قادر على استنتاج الدروس  الصائبة من المواجهة المريرة مع حزب الله في لبنان في الحرب  الأخيرة، ومع صواريخ المقاومة الفلسطينية التي لم توقفها العمليات الحربية الإسرائيلية المتصلة على قطاع غزة، وكذلك احتمالات الدخول في حرب ضارية مع إيران، قد تخلف الكثير من الدمار في الممتلكات والأرواح. غير أننا قد نشهد، وهذا هو الأرجح، تنامي تيار التطرف ودعاة الحرب والعدوان، الذين لا يروق لهم المساس بهيبة إسرائيل العسكرية، ما يعني توسيع رقعة الحرب ضد الفلسطينيين وضد لبنان وسوريا وإيران، وللتنصل من أية ضغوط دولية محتملة لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي حلاً عادلاً، بالنظر إلى احتمالات تنامي هذه الضغوط لمصلحة الفلسطينيين في  السنوات الخمس القادمة.          

     أتوقع أن تستمر حالات عدم الاستقرار في عدد من البلدان العربية. وسوف تواصل الحركات الإسلامية صعودها (مع احتمال تراجع بعضها هنا وهناك)، مستفيدة من استمرار حالة الضعف والترهل في النظام العربي الرسمي، ومن عدم التمكين للمواطنة الصحيحة في الدولة القطرية، بسبب إصرار هذه الدولة عبر أجهزتها القمعية والبيروقراطية، على إضعاف بنية الدولة المدنية فيها لصالح بنية السلطة القمعية، وما يترتب على ذلك من تهيئة المناخات غير السوية التي تتعاظم فيها النزعات الطائفية والإثنية، وغيرها من الانتماءات القبلية والعشائرية المتخلفة. غير أن هذا لن يمنع قيام الدولة القطرية بإجراء بعض التحسينات على صورتها، وعلى أسلوب تعاملها مع المعارضة السياسية ومع المواطنين، لضمان مواجهة ناجحة إلى حد ما، بالوسائل الديموقراطية حيناً وبوسائل القمع البوليسي حيناً آخر، ضد الحركات الإسلامية.     

      وسوف توقعنا الحركات الإسلامية في مزيد من المعاناة، دون أن تتمكن من حل أي من مشكلاتنا الوطنية أو الاجتماعية أو الاقتصادية حلاً معقولاً، بسبب ضبابية برامجها ونزعتها غير الواقعية وعدم إيمانها الفعلي بالديموقراطية لأنها منتج غربي، وبسبب الإيديولوجيا الشمولية التي تتبناها هذه الحركات، ورغبتها في تعميم رؤيتها العقائدية على سائر الناس في مجتمعاتها، وبسبب الصراعات التي سوف تقع بينها وبين القوى المتسيدة على الدولة القطرية.          

     وأتوقع أن تعود القوى الديموقراطية العربية التي تضم في صفوفها: اليساريين والوطنيين التقدميين وكل الداعين إلى الديموقراطية وتعزيز المجتمع المدني، إلى إحراز حالة من الانتعاش، وإلى تعزيز صفوفها، خصوصاً مع التزايد المتوقع لأزمة الأنظمة الحاكمة على مختلف الأصعدة، وبالاستفادة من حالة الصراع التي لن تهدأ بين القطبين المتصارعين: الأنظمة الحاكمة من جهة والحركات الإسلامية من جهة أخرى.     

     غير أن هذه القوى، لن تكون مؤهلة في السنوات الخمس القادمة لكي تكون البديل الذي سوف يخرج الجماهير العربية من معاناتها، لأنها لن تكون قد تخلصت بعد من تخلفها الفكري والنظري، ومن ضعفها وقصورها وعزلتها عن الجماهير. ولأن هذه الجماهير – وهذه مسألة في غاية الأهمية-  سوف تظل مستلبة إلى فترة أطول، بفعل استمرار تأثرها بالحركات الإسلامية التي تستثمر لمصلحتها هالة القداسة التي للدين الإسلامي في نفوس الناس، وبفعل سياسات التضليل والترويج للنزعة اللاعقلانية وغيرها من  النزعات غير السوية، التي تتولى نشرها أجهزة إعلام متطورة، تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى ذات المصلحة في إبعاد الجماهير، عن ساحة الوعي الصحيح.

الموقع الشخصي: www.mahmoudshukair.com       

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر