مقاهي القدس التي تتناقص باستمرار/ محمود شقير
كتبهامحمود شقير ، في 15 تشرين الأول 2007 الساعة: 15:00 م
مقاهي القدس التي تتناقص باستمرار
محمود شقير
يمكن استشفاف بعض ملامح الحالة الراهنة في القدس الشرقية، من مقاهيها التي أغلقت أو التي ما زالت في طريقها نحو الإغلاق. يمكن أيضاً، ونحن نتتبع أحوال المقاهي، الإلماح إلى الثقافة التي تخيم على فضاء المدينة، وتدلل على ما استجد فيها من تطورات سلبية وأوضاع.
لتوضيح ذلك، لا بد من التحدث عن مقاهي القدس قبل هزيمة حزيران 1967، لأن ذلك يلقي الضوء على الوضع الذي آلت إليه هذه المقاهي بعد أربعين سنة من الاحتلال. التحدث عن المقاهي يعيد إلى الذاكرة، أيام ازدهار النشاط السياسي في المدينة، وخصوصاً أواسط الخمسينات من القرن الماضي، حيث اعتاد نشطاء الأحزاب الجلوس في المقاهي والترويج للسياسات التي تتبناها أحزابهم. وجرت الاستفادة في الوقت نفسه من المقاهي التي تتسع لعدد كبير من الناس (مقهى "زعترة" داخل باب العامود مثلاً) لعقد الاجتماعات الحاشدة للمرشحين لانتخابات البرلمان الأردني، حينما كانت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك.
ولدى تبلور حركة أدبية مرتبطة بظهور مجلة "الأفق الجديد" المقدسية، خلال النصف الأول من ستينات القرن الماضي، شهد بعض مقاهي القدس حضوراً لمثقفين وأدباء من أبناء المدينة ومن خارجها، اتخذوا من هذه المقاهي أماكن لجلوسهم ولحواراتهم، سائرين في ذلك على النهج الذي سار عليه كتاب عرب وأجانب، كانت لهم مقاهيهم المختارة في مدن مثل بيروت والقاهرة ومدريد وبراغ. غير أن هذا الحضور لم يلبث أن اضمحل مع إغلاق المجلة ووقوع هزيمة حزيران.
قبل الهزيمة، كانت المقاهي تشكل مع النوادي ودور السينما والمكتبات والفنادق والمطاعم، مظهراً من مظاهر النزوع المدني المرافق لنهوض الطبقة الوسطى، وما يستتبع ذلك من ميل إلى الترفيه عن النفس والتسلية، ومن علاقات اجتماعية منفتحة، وتواصل مع الأصدقاء وقضاء وقت ممتع معهم، حيث يمكن لهؤلاء الأصدقاء -إن لم يذهبوا إلى السينما أو إلى المطعم- قضاء وقت في المقهى للعب الورق، ولتدخين التمباك الذي يوضع على رؤوس النراجيل وفوقه جمرات النار، في أوقات ما بعد العصر وحتى ساعات ما بعد المساء.
وأما في ساعات النهار، فالمقهى لم يكن يخلو من زبائن دائمين من الشيوخ المتقاعدين، الذين لا يطيقون البقاء في البيوت، وما يعنيه ذلك من رتابة وضجر. ولم يكن المقهى يخلو من قرويين قادمين إلى المدينة للصلاة في مسجدها الأقصى، أو للتسوق أو لبيع الخضار والفواكه ومنتجات الماشية من جبن وحليب وألبان. ولم يكن يخلو كذلك من شباب عاطلين من العمل، ومن معلمين وموظفين من أبناء الطبقة الوسطى الخارجين من دوامهم اليومي، أو ممن يقضون بعض أوقات إجازاتهم الصيفية أو غير الصيفية في المقاهي، التي لا تكلفهم سوى القليل من النفقات.
تميزت مقاهي القدس آنذاك، وخصوصاً تلك الواقعة في أسواق البلدة القديمة، بطاولاتها قصيرة الأرجل التي تتساوق في القصر، مع كراسي القش التي تصطف حول الطاولات، وبأجهزة المذياع التي تبث الأغاني ونشرات الأخبار، وبالعاملين فيها من النادلين ذوي الأصوات الممطوطة المنغمة، التي كانت تعطي للمقاهي نكهة ذات وقع خاص. والمحظوظون من زبائن المقاهي هم أولئك الذين كانوا يسبقون غيرهم إلى الجلوس في الفسحات المكشوفة المتاخمة للأسواق، حيث تطيب لهم مراقبة الخلق الذين هم في غدوّ ورواح.
وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، أي منذ بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإقامة الحواجز حول القدس، ومن ثم ببناء جدار الفصل العنصري، أخذت مظاهر الاضمحلال تعتري شتى مناحي الحياة في المدينة. وقد تفاقمت هذه المظاهر وازداد خطرها مع إخفاق السلطة الوطنية الفلسطينية ومعها بلدان العروبة والإسلام، في إيلاء اهتمام أكبر بالقدس، وفي التصدي لإضعاف الوجود العربي الفلسطيني فيها، تمهيداً لتهويدها.
يضاف إلى ذلك تهميش الطبقة الوسطى الفلسطينية، وإضعاف تأثيرها السياسي والثقافي، لأسباب عديدة، منها انسداد أفق تسوية الصراع العربي- الفلسطيني- الإسرائيلي، وتشوه البنية الطبقية للمجتمع الفلسطيني، ما أدى إلى تراجع الثقافة الديمقراطية بتجلياتها العقلانية والتنويرية، والنكوص إلى حالة من تردي الوعي، استفادت منها الجماعات الأصولية ونجحت في كسب تعاطف فئات واسعة من الناس، ومن ثم قامت بملء الفراغ الناشئ عن تدهور مكانة القوى القومية واليسارية، هذا التدهور الذي أدى بدوره إلى إضعاف النزوع المدني، كما هو الحال على نحو واضح في مدينة القدس، وإن كانت له مظاهره المتفاوتة، في بقية مدن البلاد.
لذلك، لم يعد ثمة فضاء مدني يتيح للمقاهي فرصة للازدهار المنشود. فالمنتمون إلى الجماعات الأصولية، ما عاد المقهى يجتذبهم لتعارض رسالته الدنيوية مع رسالتهم الدينية. وأبناء الطبقة الوسطى أصبحوا أكثر قلقاً على المستقبل، وما عاد المقهى وارداً في حسابهم كما كان في السابق، خصوصاً مع ضعف التواصل الاجتماعي وسوء الأحوال الاقتصادية وانعدام الأمن في ظل الاحتلال. والقرويون ما عادوا قادرين على دخول القدس بسبب الحصار المفروض عليها. ناهيك عن أن الحياة في المدينة تضمحل كل يوم قبيل حلول المساء.
ومع تنامي الظواهر المؤدية إلى الاضمحلال، تحوّلَ عدد من مقاهي البلدة القديمة إلى محلات للأحذية كما هو حال مقهى "زعترة". وتحول مقهى "صيام"، ومقهى "منى" داخل باب العامود إلى محلين للملبوسات. فيما بقى مقهى "صيام" الواقع في أول عقبة السرايا على حاله، بعد أن بليت كراسي القش التي لم يعد أحد معنياً بإنتاجها، ما اضطر صاحب المقهى إلى استخدام كراسي البلاستيك، التي تضفي على مقهاه طابعاً هجيناً مغايراً لطابعه التقليدي الأصيل.
وأما مقهى باب العامود فقد بقي على حاله، وهو أقرب ما يكون إلى الكافتيريا التي تقدم لزبائنها أنواعاُ من العصير، إلى جانب المشروبات الغازية والقهوة والشاي، والأمر نفسه ينطبق على مقاهي باب الخليل وحارة النصارى، وعلى مقهى "الباسطي" في طريق الواد، حيث أصبحت هذه كلها أقرب إلى محلات الكافتيريا التي تستقبل السياح من النساء والرجال، وهم قلة قليلة على أية حال.
فيما بقي مقهى "جابر" ومقهى "ناصر" داخل باب الساهرة، محافظين على طابعهما التقليدي، حيث النراجيل والزبائن ذوو الدخل المحدود من أبناء المدينة، الذين يقضون الوقت في لعب الورق أو طاولة الزهر، أو في الاستماع إلى الأغاني وفي التعليق العابر على بعض الأمور.
والمعضلة نفسها تتكرر خارج البلدة القديمة من القدس. فإذا استثنينا مقهى "الروضة" ومقهى "الراجح" اللذين حافظا على طابعهما التقليدي، فإن مقهى "الشعب" القريب من محطة الحافلات، تحول إلى معرض الشعب للأدوات المنزلية، ومقهى "العمال" الواقع في أول شارع المصرارة، اجتزأ صاحبه ثلثي حيزه السابق، وجعل منهما محلاً لأجهزة الهاتف النقال، ومحلاً للمواد التموينية.
وفي حال بقي الحال على هذا المنوال، فسوف تشهد القدس إغلاق المزيد من مقاهيها أو تحويلها إلى محال للأحذية أو للملبوسات، بعد أن أصبح الإقبال على المقهى التقليدي ذي الأجواء الخاصة غير ذي بال.
الموقع الشخصي: www.mahmoudshukair.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالة | السمات:مقالة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 19th, 2007 at 19 أكتوبر 2007 1:34 م
الاستاذ الكبير محمود شقير حفظه الله ورعاه
تحية لك ولجهودك العظيمة اقترح عليكم زبارة مدونة
القدس عاصمة الثقافة العربية لما فيها من مواضيع مهمة
ولكم كل الاحترام والتقدير
http://jerusalem2009.maktoobblog.com/
اخوكم
سميح ابو زاكية
مركز فنون الطفل الفلسطيني
أكتوبر 20th, 2007 at 20 أكتوبر 2007 6:41 ص
أخي العزيز الأستاذ سميح أبو زاكية
تحياتي وكل الشكر لك. أنا أزور موقع القدس بين الحين والآخر وأزور كذلك موقع مركز فنون الطفل الفلسطيني/ دمت وسلمت/ محمود شقير
ديسمبر 9th, 2007 at 9 ديسمبر 2007 11:22 ص
لقد اصبح الوضع في القدس لا يمكن السكوت عليه
لما تتعرض لها تلك المدنية الباسلة من محو هوايتها
اللهم رد الينا ارض المقدس
ديسمبر 14th, 2007 at 14 ديسمبر 2007 9:01 ص
إلى طالب الآداب المحترم
أشكر لك اهتمامك بمتابعة أحوال القدس.
أبريل 26th, 2008 at 26 أبريل 2008 2:25 م
الأستاذ محمود
تحية طيبة وبعد..
لقد سعيت كثيراً للاتصال بك إلى أن وقعت اليوم .. في مدونتك في مكتوب..على هذا المقال الرائع والمعبّر عن حالة يرثى لها في غياب ملامح كثيرة ممّا كان يميّز مدينتنا الأغلى.. القدس. بالطبع عدم وجود مشروع وطني واضح للحفاظ على القدس.. والنهوض بها.. لتنمية جانبها الثقافي الحضاري.. والتراثي.. هو السبب. إنّ بقاء القدس في الخانة السياسية بين أن تعود أو لا تعود.. ولا من فعل حيّ وملموس لتحقيق عودتها.. ممّا عقّد كثيراً من أمورها.. وجعلها عرضة للتقلّص والاندثار وللسرقة المشهودة..
الآخرون ينفذّون مشروعاً بيّناً.. على عكسنا نحن.. ارتباطنا العاطفيّ بالقدس وحده لا يكفي.. قرأت اليوم مقالاً مؤلماًعن لجنة أو هيئة مشروع القدس عاصمة للثقافة العربية.. برأيك هل يعقل التعامل مع موضوع القدس بهذا الشكل؟ في الختام أودّ التواصل معك في شئون الثقافة.. فقلبي مريض بفعل فشل المشروعات السياسيّة.. حيث لا يوجد لدينا مشروع سياسيّ واحد ..(وسأ طلع على موقعك الشخصيّ طبعاً).
أبريل 26th, 2008 at 26 أبريل 2008 9:52 م
أخي العزيز طلال حماد
تحياتي وكل التقدير لك. وأشكرك على هذا التعليق الذي يدلل على مرارة مشروعة في النفس بسبب ما تتعرض له القدس من انتهاك.
أرحب بك وأحييك