عن الرواية البوليسية

كانون الأول 11th, 2008 كتبها محمود شقير نشر في , مقالة

عن الرواية البوليسية  

 

محمود شقير

 

* بداية، سأتحدث عن علاقتي الشخصية بالرواية البوليسية. لم أكن في أي يوم من الأيام محبذاً للرواية البوليسية أو راغباً في قراءتها، حتى أغاثا كريستي التي كانت مشهورة في هذا النوع من الكتابة، فإنني لم أقرأ لها سوى رواية أو اثنتين. وفي الوقت نفسه، فإنني لم أفكر بتاتاً في كتابة قصة أو رواية بوليسية.

     ربما كان ذلك راجعاً لمزاج شخصي، وربما كان مرتبطاً بالظروف التي عاشها المجتمع الفلسطيني منذ النكبة الكبرى (1948 ) وحتى الآن، وهي ظروف اتسمت بعدم استقرار وبمعاناة مستمرة من الغزوة الصهيونية، ما جعل ويجعل كتابة رواية بوليسية أمراً غير وارد في الحسبان. فالرواية البوليسية تتعين أهميتها بما تقدمه للقارئ من تسلية وبما تتيحه له من متعة سهلة المنال. وأنا أسعى قدر المستطاع إلى تقديم المتعة للقارئ عبر كتابة أدبية لها مواصفات أخرى مختلفة، كالسخرية المرة مما يحيط بنا من ظواهر سياسية واجتماعية على سبيل المثال.

     ففي بلادنا المبتلاة باحتلال طال أمده واستطال، فإنني لا أحظى باطمئنان متصل، والأمر نفسه ينطبق كما أعتقد على بقية الكتاب، الذين ليس لديهم الوقت والمزاج والاستعداد للشرو

المزيد


محمود درويش وهذا الغياب/ محمود شقير

أغسطس 13th, 2008 كتبها محمود شقير نشر في , مقالة

محمود درويش وهذا الغياب

محمود شقير

 

     غاب محمود درويش على نحو مفجع مثير للحزن والكآبة.

     رغم تحذيرات الأطباء ونصائح الوالدة وبقية الأصدقاء، من مغبة إجراء العملية الجراحية الثالثة لقلب محمود المتعب، فإن عشق محمود للحياة دفعه إلى المجازفة بإجراء العملية، انحيازاً منه لقدرة العلم على اجتراح المعجزات، ورغبة منه في عدم الاستسلام للموت دون دفاع ما، عن حياته التي لم تعد ملكه الشخصي وحده، بل  هي ملك للملايين من أبناء شعبه ومن أصدقائه ومحبيه على امتداد هذا العالم الفسيح.

     كان من الممكن أن يستسلم محمود لمشيئة الموت، وأن يبقى حياً لفترة أخرى وفي داخله لغم قد ينفجر في أي وقت مثلما أخبره أحد الأطباء، فلم يتقبل محمود ذلك. مضى إلى العملية الجراحية الخطرة. وقد نجحت العملية بالفعل، غير أن الجلطات الدماغية التي أعقبتها هي التي أودت بحياة سيد الشعراء.

     مات محمود، ولم يعد ممكناً صعوده درجات مبنى السكاكيني في رام الله متقدماً نحو مكتبه. لم يعد ممكناً تصفحه للصحف في المكتب الذي داوم فيه سنوات عديدة، ولن يشرب مزيداً من القهوة وهو يقرأ الصحف ويتلقى هواتف الأصدقاء، أو وهو يستقبلهم في مكتبه. يرحب بهم بكل ما عرف عنه من حيوية وتوهج وتهذيب، ثم يندمج معهم في أحاديث شتى عما

المزيد


مقاهي القدس التي تتناقص باستمرار/ محمود شقير

تشرين الأول 15th, 2007 كتبها محمود شقير نشر في , مقالة

مقاهي القدس التي تتناقص باستمرار

محمود شقير

 

     يمكن استشفاف بعض ملامح الحالة الراهنة في القدس الشرقية، من مقاهيها التي أغلقت أو التي ما زالت في طريقها نحو الإغلاق. يمكن أيضاً، ونحن نتتبع أحوال المقاهي، الإلماح إلى الثقافة التي تخيم على فضاء المدينة، وتدلل على ما استجد فيها من تطورات سلبية وأوضاع.

     لتوضيح ذلك، لا بد من التحدث عن مقاهي القدس قبل هزيمة حزيران 1967، لأن ذلك يلقي الضوء على الوضع الذي آلت إليه هذه المقاهي بعد أربعين سنة من الاحتلال. التحدث عن المقاهي يعيد إلى الذاكرة، أيام ازدهار النشاط السياسي في المدينة، وخصوصاً أواسط الخمسينات من القرن الماضي، حيث اعتاد نشطاء الأحزاب الجلوس في المقاهي والترويج للسياسات التي تتبناها أحزابهم. وجرت الاستفادة في الوقت نفسه من المقاهي التي تتسع لعدد كبير من الناس (مقهى "زعترة" داخل باب العامود مثلاً) لعقد الاجتماعات الحاشدة للمرشحين لانتخابات البرلمان الأردني، حينما كانت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك.

     ولدى تبلور حركة أدبية مرتبطة بظهور مجلة "الأفق الجديد" المقدسية، خلال النصف الأول من ستينات القرن الماضي، شهد بعض مقاهي القدس حضوراً لمثقفين وأدباء من أبناء المدينة ومن خارجها، اتخذوا من هذه المقاهي أماكن لجلوسهم ولحواراتهم، سائرين في ذلك على النهج الذي سار عليه كتاب عرب وأجانب، كانت لهم مقاهيهم المختارة في مدن مثل بيروت والقاهرة ومدريد وبراغ. غير أن هذا الحضور لم يلبث أن اضمحل مع إغلاق المجلة ووقوع هزيمة حزيران. 

     قبل الهزيمة، كانت المقاهي تشكل مع النوادي ودور السينما والمكتبات والفنادق والمطاعم، مظهراً من مظاهر النزوع المدني المرافق لنهوض الطبقة الوسطى، وما يستتبع ذلك من ميل إلى الترفيه عن النفس والتسلية، ومن علاقات اجتماعية منفتحة، وتواصل مع  الأصدقاء وقضاء وقت ممتع معهم، حيث يمكن لهؤلاء الأصدقاء -إن لم يذهبوا إلى السينما أو إلى المطعم- قضاء وقت في المقهى للعب الورق، ولتدخين التمباك الذي يوضع على رؤوس النراجيل وفوقه جمرات النار، في أوقات ما بعد العصر وحتى ساعات ما بعد المساء.

     وأما في ساعات النهار، فالمقهى لم يكن يخلو من زبائن دائمين من  الشيوخ المتقاعدين، الذين لا يطيقون البقاء في البيوت، وما يعنيه ذلك من رتابة وضجر. ولم يكن المقهى يخلو من قرويين قادمين إلى المدينة للصلاة في مسجدها الأقصى، أو للتسوق أو لبيع الخضار والفواكه ومنتجات الماشية من جبن وحليب وألبان. ولم يكن يخلو كذلك من شباب عاطلين من العمل، ومن معلمين وموظفين من أبناء الطبقة الوسطى الخارجين من دوامهم اليوم

المزيد


مقالة: حالة الوطن العربي العام 2012

نيسان 13th, 2007 كتبها محمود شقير نشر في , مقالة

        سألني أحد الزملاء: كيف تتوقع الحالة التي سوف يكون عليها الوطن العربي بعد خمس سنوات؟ فأجبته قائلاً: 

         ليس من السهل التنبؤ بما سيكون عليه الوطن العربي بعد خمس سنوات، بالنظر إلى المفاجآت غير المحسوبة التي يمكن أن تقع هنا وهناك، وبالنظر إلى التبدلات المفاجئة التي قد تفرض نفسها على هذا القطر العربي أو ذاك، أو على مجموعة أقطار بعينها، بسبب تطورات محلية أو بسبب تغيرات في السياسة العالمية التي يتأثر بها العالم العربي.     غير أن رصد بعض اتجاهات السياسة في العالم وفي الوطن العربي راهناً، يمكنها أن تشكل إرهاصاً لما سيحدث لاحقاً. وهذا يتطلب معاينة كل من السياسة الأمريكية والإسرائيلية بالذات، لما لهما من تأثير على مصائر الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ومن ثم رصد ما يعتمل في قلب بعض الأقطار العربية من تطورات محتملة يجري الإعداد لها منذ الآن.         

      فالسياسة الأمريكية الهوجاء التي ضربت وما زالت تضرب المنطقة العربية، تحت مسميات الحروب الاستباقية ومقاومة الإرهاب، والفوضى الخلاقة والتحيز السافر لإسرائيل، ومحاصرة إيران بسبب مشروعها النووي واحتمالات الصدام العسكري معها، والتهيئة لذلك بحملة تأليب دولية وبمحاولة خلق محور معتدلين في مقابل محور راديكاليين في منطقة  الشرق الأوسط، مرشحة للاستمرار خلال الفترة المتبقية من حكم الرئيس بوش، وقد تستمر بأشكال ومسميات مختلفة، ولكنها قريبة من حيث الجوهر من هذه السياسة، مع تعديلات تقتضيها ضرورات المصالح الأمريكية، في حالة مجيء الديموقراطيين إلى الحكم بعد الانتخابات الرئاسية القادمة، وذلك لأن هذه السياسة هي  في الأساس تعبير عن مصالح قوى طبقية واجتماعية في الولايات المتحدة ال

المزيد


حوار في هونغ كونغ

كانون الثاني 21st, 2007 كتبها محمود شقير نشر في , مقالة

    لم أتوقع أنني سأزور هونغ كونغ ذات يوم. المدينة بعيدة جداً، ولا تحضر في الذهن إلا بوصفها مدينة للتجارة والمال، وأنا لا حظ لي في التجارة أو المال، ومع ذلك جاءتني دعوة للمشاركة مع زميلات وزملاء، في ورشة أدبية تنظمها الجامعة المعمدانية في المدينة، تحت شعار "فهم العالمين العربي والإسلامي".

     انبهرت بالمدينة وأنا أراها للمرة الأولى. لم أتوقع أن تكون هونغ كونغ على هذا القدر من التحضر، وعلى هذا القدر من جمال المعمار واكتظاظه وصعوده نحو السماء. كنت أعتقد أن ناطحات السحاب مرتبطة بحي مانهاتن في نيويورك وحسب، فإذا هونغ كونغ عامرة بناطحات السحاب التي تشكل في ليل المدينة لوحة فنية عابقة بالأضواء. وكنت أعتقد أن السلوك الحضاري الراقي وقف على أمم الغرب، فإذا هونغ كونغ وشعبها الذي ينتمي إلى الأمة الصينية العريقة، تقدم نموذجاً حضارياً متقدماً في الأخلاق والسلوك، وفي السعي الحثيث لتحصيل العلم والثقافة، وفي  الانفتاح على العالم دون عقد أو مواقف مسبقة أو تحفظات.

     في الجامعة المعمدانية، كانت لنا حوارات عديدة وندوات. من بين هذه الندوات، ندوة عن الإيمان. تحدثت فيها عن قناعات والدتي التي تشكل القاسم المشترك، في ما أظن،  لقناعات قطاع واسع من الناس في مجتمعنا.

      فالوالدة لا تقرأ ولا تكتب. ولدت أوائل القرن الماضي، ولم يكن أبوها مقتنعاً بإلحاق البنات بالمدارس آنذاك، بسبب نزعة المحافظة التي أضرت كثيراً بالنساء، ولأن المدارس لم تكن متوفرة إلا في المدن وعلى نحو محدود.

      تُنمّي الوالدة منظومتها الفكرية البسيطة، انطلاقاً من التجربة الحسية ومن خبرتها في العيش اليومي المتكرر. ولديها إلى جانب ذلك، إيمان راسخ بأن صلاتها وصيامها وتعبدها الدائم لرب ال

المزيد


مقالة: تداعيات حول الجدار

كانون الثاني 15th, 2007 كتبها محمود شقير نشر في , مقالة

      أكتب هذه التداعيات حول الجدار، وأنا موقن بأنه منذور لإطالة أمد الصراع لا لتقريب فرص السلام، مع أنه جدار مسخ جدير بالسخرية، لا شأن ولا قيمة له، إذا ما قورن بجدران أخرى أو أسوار لها شأنها في التاريخ، مثل سور الصين العظيم مثلاً، الذي لم يبنه الصينيون على أرض الآخرين كما هو الحال مع هذا الجدار. ثم إن سور الصين أصبح اليوم أثراً سياحياً يدلل على عظمة الجهد الإنساني الطموح، فهل يطمح أولمرت أو غيره من حكام إسرائيل إلى أن يصبح جدار الفصل المقيت، أثراً يدلل على أية عظمة من أي نوع كان! لو كان أولمرت مستعداً لسماع صوت العقل، لما سمح لهذا الجدار بأن يستمر لحظة واحدة. وأولمرت لن يصغي لمثل هذا الكلام، لأن القوة المعربدة التي تحرس الإيديولوجيا القادمة من رحم الأساطير، تجعل  الاستجابة لصوت العقل أمراً غير وارد بأي حال.

     ولربما كان هذا الجدار والحالة هذه، جديراً بمزيد من السخرية، للتأليب عليه وللتناغم مع قرار محكمة لاهاي ضده على سبيل المثال. ولقد جرت من قبل محاولة من هذا القبيل، إذ سخر عزام أبو السعود منه، حينما قدم في مسرحيته الهزلية "طار الحمام" وقائع مضحكة مبكية عن أسرة مقدسية كبيرة العدد، اضطرها الجدار إلى  أن تعود إلى البلدة القديمة لتعاني من ضيق المكان ومن كثرة الأنفار. المسرحية أخرجها مكرم خوري وشارك فيها نخبة من الممثلين والممثلات، وتم عرضها على خشبة المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، وغيره من مسارح البلاد. ومن قبل أيضاً، سخرت منه إحدى دور الأزياء الإسرائيلية، حينما قامت فتيات إسرائيليات بعرض فساتين وردية على مقربة من الجدار. الفتيات وقفن بفساتينهن الزاهية وقفة فيها تأنق ودلال، والجدار ظل جاثماً خلفهن بوجهه القبيح. والمتفرجون كان عليهم آنذاك، أن يحكموا من النظرة الأولى على الفرق الشاسع بين القبح والجمال.

     وأحسب أن لحزب الخضر الفلسطيني دوراً مهماً في هذا المجال. فقد راقت لي سخرية الحزب م

المزيد


ثقافتنا والدور المغيّب الغائب

كانون الثاني 2nd, 2007 كتبها محمود شقير نشر في , مقالة

     إزاء ما تطرحه علينا ظروفنا الراهنة من مشكلات مزمنة، رُحلّت إلينا من العام الماضي لتستمر في عامنا الحالي الجديد وفي أعوام أخرى قادمة، تتأكد حاجتنا إلى الثقافة الوطنية الديموقراطية التي من شأنها، إذا ما انتشرت في أوساط الأجيال الجديدة الشابة، أن تسهم في التصدي لليأس ولمختلف مشاعر الإحباط الناتجة عن تراكم الهزائم والانكسارات، التي لم تترك حيّزاً كافياً للأمل وللنظر بثقة إلى المستقبل القريب أو البعيد.

     إن نظرة سريعة على حال الثقافة العربية المعاصرة، تشير بوضوح إلى أهمية ما ينجزه بشكل فردي، صحافيون وأدباء ومثقفون وفنانون وأكاديميون ومفكرون عرب كثيرون، من نتاجات إعلامية وأدبية وفنية وثقافية وفكرية متنوعة ذات توجهات عصرية تقدمية، قادرة في حالة الانتباه إليها وتمثل مضامينها الإنسانية العميقة، على إحداث تغيير نوعي في مستوى العرب الثقافي والحضاري، بحيث لا يظلون في أدنى قائمة شعوب العالم المعاصر من حيث المستوى المعرفي والحضاري.

     وفي ظني، أن من شأن هذه الثقافة الوطنية الديموقراطية في حالة الانتباه إليها وتمثلها، بدل الانصراف شبه الكلي عنها كما هو حالنا اليوم، أن تسهم في خلق حالة من التماسك  الداخلي، الآخذ في التفكك في غير قطر عربي وفي فلسطين بالذات، في وجه ما يجري تخطيطه على النطاق الأشمل من سياسات، تندرج تحت مظلة ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير الذي تسعى إليه الإدارة الأمريكية، ما يعني في حالة تحققه، مزيداً من التطاول على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ومن التفتت والشرذمة في الوضع العربي

المزيد